
جاءني يسعى .. باسما هاش باشا وما كنت أعرفه بهذا الشكل .. كان وحيدا يبتعد عن كل ما حوله من حياة وأحياء .. أقصى ما كان يفعله .. يركب سيارته ويتوجه إلى شاطئ البحر .. وهناك يلقى إليه بكل همومه ويحاول أن يدفعها إلى الموجات المتلاطمة في مدها وجزرها .. لتأخذها بعيدا عنه … ورغم ذلك فإنه يعود خالي الوفاض.. يعارك الحياة وتعاركه .. يحاول أن يفجر ما في قلبه نحو ما يهفو إليه فلا يجد إلى ذلك سبيلا .. انغمس في عمله إلى أبعد الحدود .. فلم يكن هناك بد من أن يتقوقع داخل محيطه الذي اختاره طواعية، فلم يقدر أن ينشئ علاقة حميمة .. أما اليوم فقد تبدل حاله .. وزادت أناقته .. وغير لون ربطة عنقه … تلك التي كان يغلب عليها السواد فغدت ذات لون مشرق جذاب
ـ خير .. إن شاء الله خير ؟ قلت فى عجلة
ـ لا تسلنى .. فقد وقعت !!
ـ يا ساتر .. لكن لا أراك مضرورا
ـ يا جاهل .. وقعت فى .. الـ .. ح .. ب .. ضاغطا على حرفي الحاء والباء !!
ـ هكذا مرة واحدة !! بين يوم وليلة !! قلت متعجبا ـ لا تسلنى .. سجل عندك .. أعرف أنك مهووس بالكتابة .. غارقا بين المتون .. سجل عندك .. وصغ القصة كيفما تشاء، بعبارتك المونقة … وكلماتك العذبة الطلية .. لكن بدون أسماء .. وبدأ يحكى لي ما صار معه ، وها أنا أكتبها بطريقتي .. بأدق تفاصيلها
قال كانت كل الفراشات تمر بى، تحوم حولي .. لكنها لم تقدر أن تقترب منى، فقد كنت لا ألقى بالا إليها .. قد تعجبني هذه أو تلك .. لكنها تمر من أمامي كطيف شفاف .. تكون بالنسبة إلي بعد لحظات أثرا بعد عين فراشة واحدة مرت بجانبي يوما .. حامت حولى .. قالت لي فيما بعد أنها رأت في شخصي شيئا مختلفا .. لم تتبينه لأول وهلة، كنت أجلس فى حديقة مليئة بالخضرة والمياه والوجوه الحسان، بالكاد كنت ألقى بالا لما يدور حولى، فقد عفت الدنيا رغم تشبثى بها، كانت تتنقل في رشاقة وأنوثة من زهرة إلى زهرة ومن روض إلى روض .. ومن نافورة إلى أخرى .. تلاعب المياه بيديها .. يتناثر الرذاذ على صفحة وجهها فتتقافز جذلى فرحة
قلت له ـ انتظر .. سأكتب ما تمليه على وكأنني المتحدث أو راوى القصةقال دون أن يبدى أى اعتراض :
ـ لك مطلق الحرية .. أنت أدرى بأصول مهنتك
واستمر فى حديثه بما يشبه الهمس
كانت تنظر في عجب إلى ذلك الذي سكنته الوحدة في داخله، أو سكن هو داخل قوقعة وحدته .. حاولت الاقتراب .. تقدم رجلا وتؤخر أخرى، تقبل ثم تدبر .. لكنها قررت فاستجمعت جرأتها وخفت إليه بكل حذر … وألقت عليه تحية المساء
ـ مساء الخير
لم يرفع رأسه .. لم يسمع ذلك الهمس الرقيق الشفاف، وكيف له أن يسمعه وقد حامت حوله كل هموم الدنيا فكانت ستار كثيفا بينه وبين ما يرف من همسات
تراجعت قليلا .. ثم عاودت التحية
ـ مساء الخير .. الم تسمعني ؟
رفع رأسه بتثاقل .. لم يألف سماع همسات مثل هذه .. التفت حوله .. ليتأكد .. قد تكون تلك الهمسات موجهة إلى غيره .. قد تكون من عابر سبيل أراد أن يرفع عنه دثارا الهم والقلق والحزن .. لكنه لم يجد أحدا بجانبه، فقد تفرق الأحبة زرافات ووحدانا .. كل يعب من الحياة ما يقدر عليه .. جفل .. وقف .. ارتجف .. تفاجأ .. تدافعت دقات قلبه .. وهى تنظر إليه تتأمل ما هو فاعل .. ولم يجد بدا أن يستفسر .. ودون أن ينبس ببنت شفه .. أشار إلى صدره بما يعنى توجيه سؤال
ـ اتكلميننى .. أتوجهين التحية إلى ؟ كلمات مرتعشة خائفة قلقة
وتأتيه الإجابة موجبة
ـ نعم .. مساء الخير للمرة الثالثة .. ألا تعنى لك شيئا
وتلفت حوله ليرى ما إذا كان هناك أحد يرقبه .. أو يحصى عليه حركاته … ولما تأكد من محيطه .. وخلوه من الرقيب .. تبعثرت مع أنفاسه حروف رده
ـ مس … مس .. مساء .. الـ .. خير وتهاوى على مقعده
شعرت أنها استطاعت أن تنتصر على ما يحوم حوله من هموم .. وأن تفتح مسارب في مساحات الحزن الطاغية على وجهه .. تجرأت جلست على طرف الكرسي الحجري .. تتأمل زهرة قطفتها من البستان .. جفل مرة أخرى .. تباعد قليلا ليترك مسافة بينها وبينه .. فضاء صغير ظن أنه يمكن أن يكون فاصلا بينه وبينها
ـ ما رأيك بهذه الزهرة البيضاء الجميلة العطرة ؟ قالت فى ود
مرة أخرى تبعثرت كلماته مع أنفاسه
ـ آه .. نعم .. إنها جمـ .. يلة .. نعم نعم جميلة
ـ جميلة فقط .. إنها بيضاء وعطرة
اعتدل في جلسته .. تأملها بعمق .. قارن بينها وبين الوردة التي تحتضنها بكلتى يديها .. وكأن الحجب انفتحت أمامه .. تشجع .. اقترب منها قليلا .. حريصـا على أن تظل المسافة بينهما كافية
ـ أكنت تر




















