783776

831151

قلم الكاتب هو السلاح الذي له صوت مدوٍ يطوف العالم .. متجاوزاً حدود ساحة المعركة .. القلم الأصيل أشبه بأجراس الإنذار مستعدة دائماً لتنبيه الجموع و ايقاظ حماسها ، ويوجه عقولها إلى مواطن الخلل في حياتها.


الإفراج عن الرهينة ( المقرحي ) في صالح من

كتبهارابطة المدونين العرب الليبيين ، في 13 سبتمبر 2009 الساعة: 00:26 ص

رابطة المدونين العرب الليبيين

لست من السياسيين ولا من القانونيين المتابعين لهذا الموضوع ، كما لست من المطلعين ، لا من قريب ولا من بعيد ، على المفاوضات وعلى الاتصالات وكل الخطوات التي أدت أخيرا إلى الإفراج عن المواطن عبدالباسط المقرحي لأسباب قيل أنها إنسانية .
لكنني مواطن ، أتابع الأخبار ، وأشاهد اللقاءات ، وأراقب الصفقات ، على الأقل المعلنة ، وألاحظ من خلال ذلك مؤشرات لاتكاد تخفى وأشم رائحة ما ليس إنسانيا.
لنسلم بأن الأسباب الإنسانية ليست محل شك ، الجميع متفق على أن الرجل مريض فعلا مرضا عضالا ، لكن هذا لايمنع طرح السؤال : هل الإفراج عنه كان لأسباب إنسانية فقط ؟ أم أنها مدعومة بأسباب أخرى ؟وإذا سَلَّمنا بأن الإجراء القضائي كان وفق القانون الاسكتلندي سليما في ذاته ، هل يعني هذا ضرورة أن الأسباب الإنسانية وحدها كانت وراء هذا الإفراج ؟ أليس من الممكن وجود أسباب أخرى ، ليست محض إنسانية ، بل تجارية واقتصادية ـ النفط والغاز والسوق الليبي ـ وأيضا سياسية تخص دولة المحكمة؟

من الممكن جدا أن الأسباب غير الإنسانية ، لم تكن حاضرة مباشرة وصراحة، على طاولة المفاوضات .. بنداً في جدول أعمالها. وإنما وجودها كان ضمنيا تحت الطاولة ، في ذهن كلا الطرفين ، تمثل خلفية دائمة للمفاوضات ، حتى وإن لم تطرح صراحة.
يمكن الاعتراض بأن فرضية وجود أسباب سياسية ، تطعن في نزاهة القضاء الاسكتلندي ، وتبرهن على أن للسياسة دوراً في أدائه، على الأقل في هذه القضية. لكن موضوعنا ليس نزاهة أو عدم نزاهة القضاء الاسكتلندي ، وإنما أسباب الإفراج عن المقرحي ، لهذا يمكن الرد على الاعتراض المشار إليه ، بأننا نفترض أن الإجراء في حد ذاته قد تم وفق الإجراءات القانونية ، ولن يعجز وزير الداخلية الاسكتلندي عن إثبات هذا. وإذن ليس هنالك مأخذ قانوني على هذا الافراج .
مع ذلك ، حتى لو سلمنا بهذا ، فإننا نسأل عن الدافع الذي كان وراء تحريك الموضوع ، وإطلاق الإجراء ، الذي يمكن أن يكون سياسيا ، يعبر عن انشغالات تجارية واقتصادية ، وهذا ليس مستغربا ، لأن المتابع لهذه القضية ، منذ البداية ، يعرف أن الحكم الأصلي بإدانة عبدالباسط ، كانت وراءه السياسة وإذن لايستغرب أن الحكم بالإفراج عنه ، كان أيضا وراءه السياسة.
ليبيا ، وعلى كل المستويات ، أكدت مرارا وتكرارا، أن اتهام مواطنها في قضية لوكربي ، كان أصلا سياسيا ، وأن الحكم بإدانة المقرحي كان سياسيا ، ويستهدف أهدافا سياسية أبعد مماهو ظاهر .. وأن عبدالباسط ، في سجنه ، كان رهينة سياسية . وهذا مايبرهن عليه اليوم، الحكم بإطلاق سراحه لأسباب إنسانية ، تخفي أسبابا سياسية واقتصادية ، كما كانت إدانته تخفي أسبابا سياسية.
إن الزج بالمواطنين الليبيين ، في قضية لوكربي ، كان لأسباب سياسية ، لذلك لايمكن لهذه القضية أن تنتهي على هذا النحو إلا لأسباب أيضا سياسية.
بالنسبة لي لا استبعد أبدا دور السياسة ـ الاقتصاد والتجارة ـ في إطلاق سراح المقرحي ، كما كنت مقتنعا بأن السياسة كانت وراء إدانته. بالطبع لا أتوقع ان السياسيين سوف يعترفون بهذا ، وسوف يواصلون التأكيد بأن الأسباب كانت محض إنسانية.
إن هذا دورهم وليس علينا أن نصدقهم .
مع ذلك يمكن أيضاً السؤال : هل إطلاق سراح المقرحي لأسباب إنسانية كانت وراءه دوافع تجارية واقتصادية فقط ؟
أم أن هنالك ايضاً أهدافا أخرى سياسية ؟
لعلنا نتذكر أن هنالك محاولات استئناف الحكم الأصلي ، قام بها المواطن عبد الباسط ، آخرها تنازل عنه قبيل إطلاق سراحه . كما أن هنالك - حسب وكالات الأنباء ـ وثائق في حوزة حكومة لندن ، تخص القضية ، لم تقدمها للمحكمة في حينها ، و حجبتها عن العدالة ، بحجة أمن الدولة ، ما يعني خللا في الحكم الأصلي ، ودوراً للسياسة في المحكمة .
الاستئناف، لوسار إلى منتهاه ، مع إلزام حكومة لندن بتسليم المحكمة الوثائق المشار إليها ، يمكن أن ينقض الحكم الأصلي ، كما يمكن أن يثبت براءة عبد الباسط ، ما يمثل فضيحة تاريخية .. هكذا الإفراج عن المقرحي لأسباب إنسانية ، يمنع كل محاولة استئناف للحكم الأصلي من قبل المقرحي، وقد تنازل المقرحي عن هذا الحق لأسباب صحية. كما يعفي حكومة لندن من تقديم الوثائق التي حجبت عن المحكمة.
النتيجة: إن الإفراج عن المقرحي، لأسباب إنسانية، يغلق ملف القضية نهائياً، ويصير المقرحي، رغم الإفراج عنه ، مداناً للأبد ، وبدون أي امكانية لاستئناف الحكم الأصلي ،لأن التنازل عن حقه في الاستئناف كان شرط الإفراج عنه لأسباب إنسانية .الأسباب الإنسانية ليست فقط وراء الإفراج عنه ، وإنما ايضاً وراء فقدان حقه في استئناف الحكم الأصلي ، وهذا ربما ما يريده الذين كانوا وراء إدانته.
هكذا تتخلص الدول التي وراء القضية ، من قضية لو كشفت كل أسرارها، وظهرت كل حقائقها ، لكانت كارثة سياسية وقانونية لا سابق لها . بالنسبة لهذه الدول ، ورد اعتبار حقيقي ، ليس فقط للمقرحي ، وإنما أيضاً لليبيا ولكل الليبيين، الذين تكبدوا أيضاً ويلات عقوبات فرضت عليهم ظلماً ، ودفعوا ثمنا باهظا تعويضا عن جريمة لم يرتكبوها.
الدول التي وراء القضية ، عندما وجهت الاتهام لليبيا وفرضت عليها عقوبات ، لأهداف سياسية ، وورطت مجلس الأمن ، لم يعد بإمكانها قبول براءة المتهمين ، ما جعل إدانة المقرحي تحصيل حاصل.
هكذا يجب أن يصحح تفسير الواقعة ، الإفراج عن المقرحي لأسباب إنسانية ، هو في صالح الدول التي كانت وراء إدانته، أكثر مما هو في صالح المقرحي وليبيا : إضافة إلى المكاسب التجارية والاقتصادية ، التي تشهد عليها الاتفاقيات ، وتدفق الشركات ، فإن الإفراج عن المقرحي لأسباب إنسانية ، يجعل منه مداناً حتى وإن أفرج عنه.. كما أن تنازله عن الاستئناف ، يمنع أي استئناف للقضية من طرفه، وبهذا تكون العقوبات التي فرضت على ليبيا مبررة، وتعويضات أسر الضحايا حقاً لازماً.
الأسباب الإنسانية التي بررت إطلاق سراح المقرحي ، أنقذت دول لوكربي من ورطة قضية استخدمتها سياسياً وترتبت عنها أضرار تفوق خسائر لوكربي.
هكذا الإفراج عن المقرحي لأسباب إنسانية ، لا يمس إدانته ، فهو يبقى مداناً ، بالنسبة لأسر الضحايا ، كما يفقده حقه في الاستئناف ، وعلى هذا الأساس يغلق ملف القضية .
ثمة مدان ليس له حق الاستئناف.
تنازل المقرحي عن حق الاستئناف ، يجعل الاستئناف غير ممكن إلا من خلال محكمة العدل الأوروبية ، لكن هذا يرجع لأسر الضحايا وحدها.. إذا كان لأسر الضحايا رأي آخر!
إذا أسر الضحايا كانت مقتنعة، بأن المقرحي مدان، فإنها لن تلجأ إلى محكمة العدل الأوروبية ، محاولات تأكيد هذه الإدانة تفسر الضجة التي قامت حول استقبال المقرحي عند عودته إلى أهله ، إنها محاولة تأكيد إدانته من خلال إدانة استقباله. أما إذا كانت تشك في مصداقية إدانة المقرحي، وأنه مجرد كبش فداء قدمته لها السياسة ، فإن لها وحدها رفع الأمر إلى محكمة العدل الأوروبية.
لكن الطريق إلى محكمة العدل الأوروبية ، طويل ومعقد جداً ، ولا أحد يعرف أي حيلة تخفيها السياسة في هذا الطريق ، يقال إن السياسة هي فن الممكن ، لكن يمكن أن تكون أيضاً فن الخداع.
الليبيون يقدرون آلام وأحزان أسر ضحايا جريمة يدينونها ، وإن لم تقدر آلام وأحزان الليبيين ،عندما استقبل بحفاوة ، من حكموا بالموت على أكثر من أربعمائة من أطفالهم..
إن احتفاء الليبيين بعودة عبدالباسط المقرحي رسالة لأسر الضحايا ، الليبيون لم يحتفوا بعودة عبدالباسط كونه مداناً في جريمة نكراء ، وإنما بعودة بريء كان رهينة ، وعلى أسر الضحايا فهم هذه الرسالة ، ومواصلة البحث للكشف عن الفاعل الحقيقي ، بدلاً من الاكتفاء بكبش فداء.

نشر بصحيفة الزحف الأخضر

يوم الإثنين, 18 رمضان 1377 و.ر الموافق 7 الفاتح 2009 مسيحي الـعــدد 5661

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قضايا عالمية .. | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر