783776

831151

قلم الكاتب هو السلاح الذي له صوت مدوٍ يطوف العالم .. متجاوزاً حدود ساحة المعركة .. القلم الأصيل أشبه بأجراس الإنذار مستعدة دائماً لتنبيه الجموع و ايقاظ حماسها ، ويوجه عقولها إلى مواطن الخلل في حياتها.


6 رسائل في العشق

كتبهارابطة المدونين العرب الليبيين ، في 29 نوفمبر 2008 الساعة: 05:08 ص

 

122793

جاءني يسعى .. باسما هاش باشا وما كنت أعرفه بهذا الشكل .. كان وحيدا يبتعد عن كل ما حوله من حياة وأحياء .. أقصى ما كان يفعله .. يركب سيارته ويتوجه إلى شاطئ البحر .. وهناك يلقى إليه بكل همومه ويحاول أن يدفعها إلى الموجات المتلاطمة في مدها وجزرها .. لتأخذها بعيدا عنه … ورغم ذلك فإنه يعود خالي الوفاض.. يعارك الحياة وتعاركه .. يحاول أن يفجر ما في قلبه نحو ما يهفو إليه فلا يجد إلى ذلك سبيلا .. انغمس في عمله إلى أبعد الحدود .. فلم يكن هناك بد من أن يتقوقع داخل محيطه الذي اختاره طواعية، فلم يقدر أن ينشئ علاقة حميمة .. أما اليوم فقد تبدل حاله .. وزادت أناقته .. وغير لون ربطة عنقه … تلك التي كان يغلب عليها السواد فغدت ذات لون مشرق جذاب

ـ خير .. إن شاء الله خير ؟ قلت فى عجلة 
ـ لا تسلنى .. فقد وقعت !!


ـ يا ساتر .. لكن لا أراك مضرورا 
ـ يا جاهل .. وقعت فى .. الـ .. ح .. ب .. ضاغطا على حرفي الحاء والباء !!
ـ هكذا مرة واحدة !! بين يوم وليلة !! قلت متعجبا ـ لا تسلنى .. سجل عندك .. أعرف أنك مهووس بالكتابة .. غارقا بين المتون .. سجل عندك .. وصغ القصة كيفما تشاء، بعبارتك المونقة … وكلماتك العذبة الطلية .. لكن بدون أسماء .. وبدأ يحكى لي ما صار معه ، وها أنا أكتبها بطريقتي .. بأدق تفاصيلها

قال كانت كل الفراشات تمر بى، تحوم حولي .. لكنها لم تقدر أن تقترب منى، فقد كنت لا ألقى بالا إليها .. قد تعجبني هذه أو تلك .. لكنها تمر من أمامي كطيف شفاف .. تكون بالنسبة إلي بعد لحظات أثرا بعد عين فراشة واحدة مرت بجانبي يوما .. حامت حولى .. قالت لي فيما بعد أنها رأت في شخصي شيئا مختلفا .. لم تتبينه لأول وهلة، كنت أجلس فى حديقة مليئة بالخضرة والمياه والوجوه الحسان، بالكاد كنت ألقى بالا لما يدور حولى، فقد عفت الدنيا رغم تشبثى بها، كانت تتنقل في رشاقة وأنوثة من زهرة إلى زهرة ومن روض إلى روض .. ومن نافورة إلى أخرى .. تلاعب المياه بيديها .. يتناثر الرذاذ على صفحة وجهها فتتقافز جذلى فرحة

قلت له ـ انتظر .. سأكتب ما تمليه على وكأنني المتحدث أو راوى القصةقال دون أن يبدى أى اعتراض :
ـ لك مطلق الحرية .. أنت أدرى بأصول مهنتك 
واستمر فى حديثه بما يشبه الهمس
كانت تنظر في عجب إلى ذلك الذي سكنته الوحدة في داخله، أو سكن هو داخل قوقعة وحدته .. حاولت الاقتراب .. تقدم رجلا وتؤخر أخرى، تقبل ثم تدبر .. لكنها قررت فاستجمعت جرأتها وخفت إليه بكل حذر … وألقت عليه تحية المساء
ـ مساء الخير

لم يرفع رأسه .. لم يسمع ذلك الهمس الرقيق الشفاف، وكيف له أن يسمعه وقد حامت حوله كل هموم الدنيا فكانت ستار كثيفا بينه وبين ما يرف من همسات 
تراجعت قليلا .. ثم عاودت التحية
ـ مساء الخير .. الم تسمعني ؟
رفع رأسه بتثاقل .. لم يألف سماع همسات مثل هذه .. التفت حوله .. ليتأكد .. قد تكون تلك الهمسات موجهة إلى غيره .. قد تكون من عابر سبيل أراد أن يرفع عنه دثارا الهم والقلق والحزن .. لكنه لم يجد أحدا بجانبه، فقد تفرق الأحبة زرافات ووحدانا .. كل يعب من الحياة ما يقدر عليه .. جفل .. وقف .. ارتجف .. تفاجأ .. تدافعت دقات قلبه .. وهى تنظر إليه تتأمل ما هو فاعل .. ولم يجد بدا أن يستفسر .. ودون أن ينبس ببنت شفه .. أشار إلى صدره بما يعنى توجيه سؤال
ـ اتكلميننى .. أتوجهين التحية إلى ؟ كلمات مرتعشة خائفة قلقة
وتأتيه الإجابة موجبة
ـ نعم .. مساء الخير للمرة الثالثة .. ألا تعنى لك شيئا
وتلفت حوله ليرى ما إذا كان هناك أحد يرقبه .. أو يحصى عليه حركاته … ولما تأكد من محيطه .. وخلوه من الرقيب .. تبعثرت مع أنفاسه حروف رده
ـ مس … مس .. مساء .. الـ .. خير وتهاوى على مقعده 
شعرت أنها استطاعت أن تنتصر على ما يحوم حوله من هموم .. وأن تفتح مسارب في مساحات الحزن الطاغية على وجهه .. تجرأت جلست على طرف الكرسي الحجري .. تتأمل زهرة قطفتها من البستان .. جفل مرة أخرى .. تباعد قليلا ليترك مسافة بينها وبينه .. فضاء صغير ظن أنه يمكن أن يكون فاصلا بينه وبينها

ـ ما رأيك بهذه الزهرة البيضاء الجميلة العطرة ؟ قالت فى ود
مرة أخرى تبعثرت كلماته مع أنفاسه

ـ آه .. نعم .. إنها جمـ .. يلة .. نعم نعم جميلة 
ـ جميلة فقط .. إنها بيضاء وعطرة 
اعتدل في جلسته .. تأملها بعمق .. قارن بينها وبين الوردة التي تحتضنها بكلتى يديها .. وكأن الحجب انفتحت أمامه .. تشجع .. اقترب منها قليلا .. حريصـا على أن تظل المسافة بينهما كافية 
ـ أكنت تراقبيننى منذ مدة ؟
ـ منذ جلست متهالكا على هذا المقعد

ـ يعنى أنك … تعمدت أن تحادثيننيـ نعم .. ولولا حرصى على ذلك ما جلست بجانبك ـ أرجوك أنا لا أحب المزاح .. أنا إنسان جدى وقاطعته في إصرار 
ـ وأنا أكثر منك جدية ، أتعتقد أنني لاهية عابثة ؟
ـ أستغفر الله .. لكنني لم أتعود على ذلك .. أنا أجلس كل عصر في نفس هذا المقعد منذ زمن طويل .. لكن لم يلتفت إلى أحد .. ولم يقترب منى أحد !! ربما انشغل الناس عنى .. أو شغلتهم مباهج الحياة عن رؤيتي

ـ لاحظت ذلك منذ مدة .. فأنا أختلف إلى هذه الحديقة مع رفيقات لي نقضى وقتا ممتعا ثم نعود أدراجنا مفعمين بالحب والأمن والسكينة .. أنت ترى الخضرة والماء .. ألا تعنى لك شيئا ؟
أخرج علبة سجائره من جيبه .. تناول واحدة .. وضعها بين شفتيه .. فيما طفق يبحث عن الولاعة بين جيوب سترته 
ندت منها ضحكات مرحة 
ـ لا تتعب نفسك .. إنها بجانبك يا سيدى .. أنظر .. ألم ترها ؟ .. ومدت إليه الولاعةبيد مرجوفة .. تناول الولاعة محاولا تقريب شعلتها من سيجارته .. وتراقصت شعلة الولاعة . معبرة عن ارتجاف أنامله التي تمسك بالولاعة
ـ تماسك يا سيدى .. قد تحرق أناملك 
وتمكن أخيرا من تقريب الشعلة إلى رأس السيجارة .. ماصا دخانها المتماوج بكل ما فى نفسه من قوة .. فتوهجت السيجارة .. نافثا ما امتصه من دخانها فشكل خطا مستقيما متماوجا مع نسمات الهواء مشكلا صورا مختلفة تعبر عما يعتمل فى داخله تلك اللحظة

ـ هون عليك .. أراك تحاول أن تنتقم من سيجارتك .. أنك تعصرها عصرا .. ألا ترى أنها مضرة ؟
ـ تعم ولكن هى وسيلتي الوحيدة للنجاة من شياطين الهموم ، هموم .. وفى هذه الحديقة الغناء ؟ّّ!
ـ وما فى ذلك .. اننى أهرب بهمومي إلى هنا .. أحاول عبثا طردها .. ولكنها تكبلني .. تحيط بى .. تعبث بى .. تقلقني .. فأعود أدراجي خالي الوفاضـ واليوم .. أتراك ستعود خالي الوفاض ؟
ـ نظر إليها .. ملقيا بعقب سيجارته إلى أبعد مسافة ـ من أنت ؟
ـ أنا معجبة بهذا الصمت .. أنا القدر ساقنى إليك ؟
ـ هكذا بكل بساطة
ـ وأكثر من ذلك .. فالعلاقات الاجتماعية يمكن أن تقام بكل بساطة

ـ أعذرينى .. لم أفهم
وتناهى إليه صوت رفيف فراشات أخر .. تحلقن حولهما .. يتضاحكن فى خبث .. يتغامزن فى ألق .. صاحت إحداهن من تعتقد أنها اثيرة لديها 
ـ كنت نبحث عنك .. قلنا ضاعت البنت !! وإذ بنا نفاجأ بأنك تسكبين الكلمات فى كأس شفاف
نهضت وقد رسمت على وجهها علامات الجد 
ـ لا تمازحننى .. السيد لا يحب المزاح قالت أخرى 
ـ لا يحب المزاح !! صحيح .. أراه خجولا .. وجهه محمرا من الخجلنهض من مكانه .. أراد أن ينهى هذا اللقاء بسرعة .. وتهيأ بخطوات متثاقلة ليعود أدراجه .
رن هاتفها النقال .. التقاطه من حقيبتها .. فهي تعلم أن من يكلمها على الطرف الآخر هى والدتها من رنتها الخاصة
ـ ……………..
ـ نعم يا أمى .. لا تقلقى .. معى خديجة وسميرة وهيفاء ومنيرة 
ـ ……………..
ـ نحن فى طريق العودة .. اطمئني .. يا ستى .. لا تخاف على !!
ـ ……………..
ـ مع السلامة

ـ إنها أمي يا سيد

ـ خالد .. خالد لطفى ـ تشرفت 
ـ أنا بك أسعد 
ـ أعذرني .. فوالدتي قلقة على .. سنرجع بسرعة
طأطأ رأسه .. وقال بكلمات عجلي

ـ كيف أراك ـ هل لديك جهاز حاسوب

ـ نعم .. إنه تسليتي الوحيدة

ـ أعطني عنوانك … سأتصل بك
دس يده فى جيب سترته .. باحثا عن بطاقته .. وجد واحدة فى جيبها الأمامي 
ـ من حظي .. وحدت واحدة 
، هو من حظي أنا

ـ انتظرني وسكت على مضض فلم يقدر على تكوين جملة واحدة … حتى كلمة وداعا لم تستطع أن تخرج من صدره .. تراجع قليلا .. استدار واختفى بين سراديب الأشجار المتشابكة فى الحديقة .
وما أن رجع على بيته حتى بدأ يرتب مكتبه .. لم يكن يأبه على الفوضى التي كانت تضرب أطنابها فى أرجائه .. رتب كتبا كانت بجانب فراشه إستلها من أحد رفوف مكتبته، مزق بعض الأوراق التى كان يخربش بها أحرفا متعرجة ورسومات خيالية .. وبعض منها يحمل خواطره، استلقى على فراشه .. متأملا فى سقف الغرفة … شعر بأن السقف يتباعد .. يضمحل يشف .. حتى بدا منظور كل شئ وراءه .. وبدأ شريط اليوم يتحرك أمامه .. بكل تفاصيلها الدقيقة .. إلى أن وصل على لقطة الولاعة .. دس يده فى جيبه .. تأملها .. أغمض يده عليها بكل ود وحنان .. أشعلها .. وقرب شعلتها من سيجارته .. التي بدأت تتقلص تحت تأثير مصاته المتتابعة
وضع بقيتها فى طفاية السجائر .. نهض من مكانه .. خلع ملابسه .. ارتدى ملابس النوم .. وجلس على حاسوبه ..هى عادته كل مساء .. اتخذه بديلا عن التلفاز .. فهو الذي يوصله بأي كان، يقفل سماعته .. يقرأ الأخبار والرسائل بصمت غامر .. يستمع أحيانا إلى مقطوعات موسيقية يحبها .. بأقل درجة من الصوت .. ثم يخلد إلى النوم
أما الليلة فكان على غير عادته طال جلوسه على الحاسوب .. مدققا النظر فى تنبيهات لرسائل .. لم يلحظ أن رسالة وصلته .. وليتأكد يقوم بفتح بريده الإلكتروني .. يراه فارغا .. إلا من رسائل قديمة وتنبيهات عن الأخبار من الموقع الذي يحب .. تتباطأ حركة يده على الفأرة .. يعاود وضع يده على مسند الكرسي فى قلق يشعل سيجارة أخرى .. يمتص منها قليلا .. ثم تجد مكانه بين أعقاب السجائر … غادر الكرسي .. خطا خطوات نحو فراشه .. تردد .. حاول أن يقضي على تردده .. لكن دعوة فراشه كانت أقوى من تردده .. فتهاوى إليه طالبا الدفء والسكينة .. وبدأ النعاس يداعب جفنيه .. والكرى يتلاعب بتفكيره فأخذته سنة من نعاس .. تغلبه حينا .. وينتصر عليها أحيانا .. شاخصا ببصره نحو الحاسوب .. مرهفا السمع .. فلعل وعسى تتناهى إليه رنة التنبيه … وبين نعاس ويقظة .. لا يدرى كم طالت .. حتى أعلن الحاسوب عن وصول رسالة .. عاوده النشاط .. خطا سريعا على جهاز الحاسوب .. وإنكب عليه باحثا عن الرسالة … تسارعت دقات قلبه تلهفا لمعرفة صاحب تلك الرسائل … وتفاجأ .ز لم تكن رسالة واحدة بل كانت ست رسائل جديدة كلها ممن سمت نفسها زهرة الرمان .. فتح الأولى .. لم يكملها .. فتح الثانية .. الثالثة .. الرابعة .. الخامسة .. السادسة .. صك جبينه بكل قوة .. وسأل نفسه 
ـ أنا .. أنا وين كنت ضايع ؟ 
كانت كل الرسائل تصف خواطرها إليه .. وبعض منها تصف زياراته للحديقة .. تصويرا صادقا يؤكد اهتماما به .. وتقربا منه .. والتصاقا به .. صك جبينه مرة أخرى بكل قوة مرددا فى قرارة نفسه 
ـ أنا .. أنا وين كنت ضايع ؟
ترك جهاز الحاسوب مفتوحا .. على رسالتها الأخيرة … وعاد إلى فراشه يتأملها من بعيد .. إلى أن داعبته الأحلام الوردية فى ذات الزمن .. وجد نفسه يتخذ سبيله إلى الحديقة عجبا .. وكان كل من لاقاه يتعجب من حالته .. كان السعادة تكاد تنطق على وجهه .. وغاب ذلك الوجه المهموم الحزين .. وفى ذات المقعد الحجري البسيط .. والنوافير ترسل رذاذها لتلامس صفحة وجهه في رقة وحنان .. والأغصان تتمايل حاملة إليه نسائم ريح الصبا … فوجئ بها وهى تنتظره .. وعلى وجهها ابتسامة عريضة … مفعمة بالود

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة قصيرة .. | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر